ابن أبي الحديد

15

شرح نهج البلاغة

وقال تعالى : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) ( 1 ) . فاتقوا الله عباد الله ، وضعوا أسلحتكم ، وكفوا عن قتال إخوانكم . أما بعد يا أهل الكوفة ، إن تطيعوا الله باديا ، وتطيعوني ثانيا ، تكونوا جرثومة من جراثيم العرب ، يأوى إليكم المضطر ، ويأمن فيكم الخائف . إن عليا إنما يستنفركم لجهاد أمكم عائشة وطلحة والزبير حواري رسول الله ومن معهم من المسلمين ، وأنا اعلم بهذه الفتن إنها إذا أقبلت شبهت ، وإذا أدبرت أسفرت ، إني أخاف عليكم أن يلتقي غاران منكم فيقتتلا ثم يتركا كالأحلاس الملقاة بنجوة من الأرض ، ثم يبقى رجرجة ( 2 ) من الناس ، لا يأمرون بالمعروف ، ولا ينهون عن منكر . انها قد جاءتكم فتنة كافرة لا يدرى من أين تؤتى تترك الحليم حيران كأني أسمع رسول الله صلى الله عليه وآله بالأمس يذكر الفتن ، فيقول ( أنت فيها نائما خير منك قاعدا ، وأنت فيها جالسا خير منك قائما ، وأنت فيها قائما خير منك ساعيا ) فثلموا سيوفكم وقصفوا رماحكم ، وانصلوا ( 3 ) سهامكم ، وقطعوا أوتاركم ، وخلوا قريشا ترتق فتقها ، وتراب صدعها ، فان فعلت فلأنفسها ما فعلت ، وإن أبت فعلى أنفسها ما جنت ، سمنها في أديمها . استنصحوني ولا تستغشوني ، وأطيعوني ولا تعصوني ، يتبين لكم رشدكم ، ويصلى هذه الفتنة من جناها . فقام إليه عمار بن ياسر ، فقال : أنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول ذلك قال : نعم هذه يدي بما قلت ، فقال إن كنت صادقا فإنما عناك بذلك وحدك ، واتخذ عليك الحجة ، فالزم بيتك ولا تدخلن في الفتنة ، أما إني اشهد أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر عليا بقتال الناكثين ، وسمى له فيهم من سمى ، وأمره بقتال القاسطين ، وإن شئت لأقيمن لك شهودا يشهدون أن رسول الله صلى الله عليه وآله

--> ( 1 ) سورة النساء 93 . ( 2 ) الرجرجة : البقية وأصله في الماء . ( 3 ) أنصل السهم : أزال عنه النصل .